أحمد مصطفى المراغي
57
تفسير المراغي
( وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ) أي ولما جاء موسى للميقات الذي وقّت له للكلام وإعطاء الشريعة وكلمه ربه من وراء حجاب بغير واسطة ملك استشرفت نفسه للجمع بين فضيلتى الكلام والرؤية فقال : رب أرني ذاتك المقدسة واجعل لي من القوة على حمل تجليك ما أقدر به على النظر إليك وكمال المعرفة بك . ( قالَ لَنْ تَرانِي ) أي قال له : إنك لا تراني الآن ولا فيما يستقبل من الزمان ، إذ ليس لبشر أن يطيق النظر إلىّ في الدنيا . ثم أتى بما هو كالعلة لذلك ( ليخفف عن موسى شدة وطأة الرد بإعلامه ما لم يكن يعلم من سننه ) وهو أن شيئا في الكون لا يقوى على رؤيته كما جاء في حديث أبي موسى الذي رواه مسلم وهو قوله صلى اللّه عليه وسلم « حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ( أنواره ) ما انتهى إليه بصره من خلقه » فقال : ( وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي ) أي فإن ثبت لدى التجلي وبقي مستقرا في مكانه فسوف تراني إذ هو مشارك لك في مادة هذا العالم الفاني ، وإذا كان الجبل في قوته وثباته لا يستطيع أن يثبت ويستقر لأن مادته غير مستعدة لقوة تجلى خالقه وخالق كل شئ - فاعلم أنك لن تراني أيضا وأنت مشارك له في كونك مخلوقا من هذه المادة وخاضعا للسنن الربانية في ضعف استعدادها وقبولها للفناء . و روى عن ابن عباس أنه قال : حين قال موسى لربه تبارك وتعالى : « أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ » قال له يا موسى إنك « لَنْ تَرانِي » يقول : ليس تراني ، لا يكون ذلك أبدا ، يا موسى إنه لن يراني أحد فيحيا ، قال موسى : رب أن أراك ثم أموت أحبّ إلىّ من ألا أراك ثم أحيا ، فقال اللّه يا موسى انظر إلى الجبل الطويل العظيم الشديد « فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ » يقول فإن ثبت مكانه لم يتضعضع ولم ينهدّ لبعض ما يرى من عظمى « فَسَوْفَ تَرانِي » أنت لضعفك وذلتك ، وإن الجبل تضعضع وانهدّ بقوته وشدته وعظمته فأنت أضعف وأذل .